مجموعة مؤلفين
145
نهج البلاغة ، نبراس السياسة ومنهل التربية
في ( النهج ) شيئا منحولا وكيف تواطأ ناسخوا النهج وشراّحه ورواته مع اختلاف أوطانهم وأزمانهم ، بل واختلاف مذاهبهم ومشاربهم على الإضافة والتغيير . ومن العجب ما قاله الأستاذ العقاد في ( عبقريّة الامام ) ص 177 : « انّ التنبؤات الّتي جاءت في ( نهج البلاغة ) عن الحجّاج وفتنة الزنج وغارات التّتر وما إليها من مدخول الكلام عليه ممّا أضافه النسّاخ إلى الكتاب بعد وقوع تلك الحوادث بزمن قصير أو طويل » ولو سلّمنا جدلا أنّ الاخبار عن الحجّاج وفتنة الزنج أضيفت إلى الكتاب بعد صدوره بزمن قصير أو طويل - لأنهّ لا يريد أن يتّهم الرضي بالوضع - فلا يمكن أن نسلم بإضافة الأخبار عن فتنة التتار وكلّ حوادث التتار من حملة جنكيزخان إلى احتلال هلاكو بغداد كان ما بين سنة ( 616 ) وسنة ( 656 ) وهذه نسخ « النهج » المخطوطة والّتي استعرضنا بعضها ومنها نسخة مكتبة الآثار ببغداد الّتى ذكرنا أنّ تاريخها كان سنة ( 556 ) أي قبل وقوع تلك الحوادث بمائة عام وفيها الكلام الّذي يشير فيه أمير المؤمنين عليه السّلام إلى تلك الفتن والمحن وهي لا تختلف عن النسخ المطبوعة فضلا عن المخطوطة . وهذا ابن أبي الحديد وقعت اليه عدّة نسخ من الكتاب وفيها ما كتب في حياة الشريف الرّضي رحمه اللّه كما أشار إلى ذلك في مواضع من ( شرح نهج البلاغة ) يستشعر هذه الإضافات المزعومة بل نراه يقول في شرح الخطبة الّتي أشار فيها أمير المؤمنين عليه السّلام إلى التتار : « انّ هذا الغيب الّذي أخبر عليه السّلام عنه قد رأيناه نحن عيانا ، ووقع في زماننا ، وكان النّاس ينتظرونه من أوّل الاسلام حتّى ساقه القضاء والقدر إلى عصرنا وهم التتر الّذين خرجوا من أقاصي المشرق » ( 4 ) . نعم يوجد بعض نسخ من ( نهج البلاغة ) ومنها نسخة ( مكتبة الإمام الحكيم العامة في النجف الأشرف ) الّتي وصفها صاحب الرّياض - كما تقدّم - تنتهي بالحكمة رقم ( 468 ) وهي قوله عليه السّلام : ( ربّ مفتون بحسن القول فيه ) وقد خلت من الكلمات القصار بعدها وهي ثماني عشرة كلمة . والجواب عن هذا أن ابن أبي الحديد بعد أن فرغ من شرح قوله عليه السّلام : ( ربّ مفتون بحسن القول فيه ) قال : « واعلم أنّ الرّضي رحمه اللّه قطع كتاب ( نهج البلاغة ) على هذا الفصل وهكذا وجدت النسخة بخطهّ ، وقال - أي الرضي - : وهذا حين انتهاء الغاية بما إلى قطع المنتزع
--> ( 4 ) - شرح نهج البلاغة مجلّد 2 ص 342 طبعة دار احياء التراث العربي ، بيروت .